الشنقيطي
434
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ( 16 ) [ الزمر : 16 ] ، وقوله تعالى : سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( 50 ) [ إبراهيم : 50 ] ؛ وقوله تعالى : تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ( 104 ) [ المؤمنون : 104 ] إلى غير ذلك من الآيات . نرجو اللّه الكريم العظيم أن يعيذنا منها ومن كل ما قرّب إليها من قول وعمل ، إنّه قريب مجيب . وما تضمّنته من كونهم في ذلك اليوم ليس لهم ناصر ولا قوة يدفعون بها عن أنفسهم - جاء مبيّنا في مواضع أخر ؛ كقوله تعالى : فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ( 10 ) [ الطارق : 10 ] ، وقوله تعالى : ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ( 25 ) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ( 26 ) [ الصافات : 25 - 26 ] والآيات في ذلك كثيرة . وما أشارت إليه هذه الآية من أنّ الذي هوّن عليهم ذلك اليوم العظيم حتى استعجلوه واستهزءوا بمن يخوفهم منه إنما هو جهلهم به - جاء مبيّنا أيضا في مواضع أخر ؛ كقوله تعالى : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ [ الشورى : 18 ] ، وقوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ( 50 ) [ يونس : 50 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : لَوْ يَعْلَمُ قال بعض أهل العلم : هو فعل متعد ، والظاهر أنها عرفانية ، فهي تتعدى إلى مفعول واحد ؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله : لعلم عرفان وظن تهمه * تعدية لواحد ملتزمه وعلى هذا فالمفعول هذا قوله : حِينَ أي لو يعرفون حين وقوع العذاب بهم وما فيه من الفظائع لما استخفوا به واستعجلوه . وعلى هذا فالحين مفعول به لا مفعول فيه ؛ لأنّ العلم الّذي هو بمعنى المعرفة واقع على نفس الحين المذكور . وقال بعض أهل العلم : فعل العلم في هذه الآية منزل منزلة اللازم ، فليس واقعا على مفعول . وعليه فالمعنى : لو كان لهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين . وعلى هذا فالآية كقوله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] والمعنى : لا يستوي من عنده علم ومن لا علم عنده . وقد تقرر في فن المعاني : أنه إذا كان الغرض إثبات الفعل لفاعله في الكلام المثبت ، أو نفيه عنه في الكلام المنفي مع قطع النظر عن اعتبار تعلّق الفعل بمن وقع عليه ، فإنه يجري مجرى اللازم ، كقوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لأنه يراد منه أن من ثبتت له صفة العلم لا يستوي هو ومن انتفت عنه ، ولم يعتبر هنا ونوع العلم على معلومات من اتصف بذلك العلم . وعلى هذا القول فقوله : حِينَ لا يَكُفُّونَ منصوب بمضمر ؛ أي حين لا يكفون عن وجههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل . والأول هو الأظهر . واستظهر أبو حيان أن مفعول « يعلم » محذوف ، وأنه هو العامل في الظرف الذي هو « حين » ، والتقدير : لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الّذي استعجلوه حين لا يكفّون لما كفروا واستعجلوا واستهزءوا .